Saturday
Sunday
Saturday
انتساب جديد
انتساب جديد
في العام 1983 مريت على منزل الرفيق ابو جورج قصابلي، والد الشهيد جورج قصابلي.. هناك جلسنا في غرفة محايدة تعودنا ان نجتمع فيها مساء كل خميس.. كنا فرقة مؤلفة من حوالي 18 صديقاً قبل ان نصبح رفاقاً، كان العدد يزيد وينقص حسب اشغال الاصدقاء قبل ان يصبحوا رفاق..
كنا نناقش كل ما يتعلق بسياسة الحزب ونناقش الكثير من المواضيع..
في العام 1983 كان الرفيق ابو جورج ينظر الينا فرحاً، يشاهد فينا شبابه.. مسروراً بنا كالشيوعي الاصيل.. ثم كانت ابنته الرفيقة كاتي تهتم بكل ما نحتاج له من كراسات حزبية وحتى معنويات.. بقي اهتمامها هذا حتى مماتها..
في العام 1983 كنا فرحين جداً ونحن نتلقى محاضرات تثقيفية عن المبادىء الشيوعية والاشتراكية والماركسية، نتلهف تلك الكراسات ونقرئها حتى الحفظ بغير ما كنا نفعل بالدروس المدرسية..
كنا نجتمع في منزل الرفيق ابو جورج قصابلي وكانت ام جورج قصابلي والدة الشهيد جورج قصابلي تدعوا لنا بكل حنان ومحبة بصوتها الرقيق والهادي.. ذلك الصوت المتعب او الذي تعب بعد استشهاد ابنها الرفيق جورج في الموجهات التي حصلت عند الدخول الاسرائيلي الى بيروت..
نحن الفرقة التي التي اصبح عددها 23 رفيقاً تقدموا بطلبات انتسابهم الى الحزب في مثل هذا اليوم من العام 1983.. يا لفرحتنا بهذا الانتساب الذي انتشلنا من مراهقتنا وجعل منا رفاق..
اصبحوا ينادوننا "بالرفيق"...ثلاثة وثمانون وردة لهذه الذكرى..
اجدد طلب انتسابي لهذا الحزب بكل ما له وما عليها.. انتسابي الجديد اهديه الى عائلة الرفيق المرحوم تامر قصابلي (ابو جورج) اشكرهم على ما علموني اياه عن هذا الحزب..
منذ العام 1983 وحتى العام 2007 اشعر بأننا نحن الشيوعيين ما زلنا الضجيج الذي يمنع هذا العالم من الرزوح فوق اجساد الفقراء والمستضعفين، كما قالها يوماً (تشي غيفارا) اجل ما زلنا الشعلة التي تنير درب الحرية الذي يشيعه ظلامي اعداء الوطن واعداء ابناءه..
ما بين العام 1983 والعام 2007 تاريخ كبير.. مجد حزب رسمه شهداؤه واسراه وجنوده المجهولين.. ما زال حزب الطليعة رغم جحافل الدجالين واليساريين الجدد واليمينيين..
ما زال حزب المقاومين على الثغور، في الشوارع، في الساحات.. في التجمعات التي يعقدونها في تلك البيوت التي تشبه منزل الرفيق ابو جورج..
حزبي باقً بقاء الزهر والزيتون..
حزبي باقً بقاء السنديان على مر العصور..
يا حزبي الباقي كمثل اليوم الذي تأسست فيه..
يا حزبي الذين مروا عليك وغادروك شهداء..
ليس كمن غادروك غدراً..
يا حزبي في عيدك اهديك منجلاً ومطرقة..
في عيدك
لك 83 وردة..
اهديك ثلاثة وثمانون عمراً..
وكل عمر مئة عام..
يا حزبي عذراً لأننا لا نستطيع مغادرتك..
شيء فيك احببناه لا ندري ما هو..
شيء فيك يعلقنا بك.. ربما حياتنا التي نهديك هي..
يا حزبي تحية لمن مر عليك وما غادرك..
يا حزبي في عيدك..
اسمح لي ان اهديك طفلين هما اغلى ما املك اليك..
يا حزبي في عيدك نحن لا نحيا الا اذا كنت بيننا..
منذ العام 1983 الى ميلادك ال 83 عام
حضورنا مازال في حضورك..
معرفة ابدية
معرفة ابدية
تعرفت على جمول يوم ولدت في 16 ايلول.. تعرفت على جمول من رفاق ذهبوا وحتى الآن لم يعد منهم احد..
تعرفت على جمول من مسير الليالي وعتمتها.. تعرفت على جمول من شروق الشمس ومراقبتها كي ينام الساهرين على امن الوطن.. تعرفت على جمول من اصوات الطلقات البعيدة كل فجر ويتبعها صوت انفجار..
تعرفت على جمول من انتظار ام ساورها القلق على ابنائها وما كانت تنام لتعرف من منهم سوف يعود..
"قلبي عليهم يظهروا وما يرجعوا".. من سوف تنشر صورته عبر جريدة النداء ونبذة حياتهم مكللين بكادر احمر، تتحدث عن مأثر فتياتها وشبابها ..
تعرفت على جمول من دعسات اقدامهم وهي تلوي العشب اليابس من غير ان يصدر منها اصوات..
تعرفت على جمول من بياناتها اليومية عن استمرارها لدحر الأحتلال..
تعرفت على جمول من خطابات جورج حاوي يوم وقف خطيباً في برجا يقول: كانو خمسة عشرة رفيقاً وهو يعدد انتمائاتهم الجغرافية عبر مساحة الوطن كله..
يومها عرفت انور ياسين..
تعرفت على جمول من تلال جبل الشيخ الى كل الاماكن التي كانت عليها احتلال الى اول شهيد منها في مزارع شبعا..
تعرفت على جمول من خلال يسار مروة ولولا عبود وانعام حمزة وجمال ساطي والياس حرب وحسام حجازي وغيرهم وغيرهم الكثير الكثير..
تعرفت على جمول من معتقلات انصار والخيام وعتليت ونفحة وغيرها الكثير من المعتقلات..
تعرفت على جمول من خلال سهى بشارة وسليمان رمضان ونبيه عواضة وناصر خرفان ورجائي ابو همين وغيرهم الكثير الكثير.. تعرفت على جمول من نزيه القبرصلي وسناء محيدلي وبلال فحص وحسن قصير..
تعرفت على جمول من اعراس الشهداء ، لا المآتم..
تعرفت على جمول من زياد الرحباني ومارسيل خليفة واحمد قعبور وجوليا بطرس..
تعرفت على جمول من خلال ثيابهم الممزقة فوقها حزام عليه منجل ومطرقة بقي حتى عودة جثامين الشهداء في التبادل الاخير.. تعرفت على جمول من المعلبات التي كانت زادهم وخبزهم اليابس المفتت..
"جمول، ما بعرفن ما شايفن.. لفوا وجوهم بالقهر.. خبوا اساميهم وما في حدا بشوفهم الا اذا ماتوا"..
تعرفت على جمول من اغنية "المقاومة" لزياد الرحباني " ولا الشهدا قلوا، ولا الشهدا زادوا.. اللي عم يحكوا اليوم هو غير اللي ماتو، المعتر بكل الارض دايماً هوي ذاتو"..
تعرفت على جمول من حكايات الناس التي تناقلت بطولاتهم في الفداء والاستشهاد..
جمول هي الان من يتابعها بعدنا..
يحقق الانتصارات كما تحققت من قبل منذ بدء انطلاقتها في 16 ايلول 1982 حتى اخر انتصار في حرب تموز من عام 2006.. تاريخ مضيء وجرح حنين لا ينضب..
ان جمول التي وجدت لتنتصر وانتصرت..
" قلبي عليهم يظهروا وما يرجعوا..
فأجمل الامهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهداً..
هكذا تعرفت على جمول..
هيذي مش غنية.. هيذي بس تحية...
زكريا اسماعيل
في البال اغنية
في البال اغنية
لم يعرفوني في الظلال التي تمتص لوني بجواز السفر.. وكان جرحي عندهم معرضاً لسائح يعشق جمع الصور.. ابدأ من حيث انهى مارسيل خليفة حفلته في مدينة ادمنتون – كندا..
انهض وناضل انهض وناضل، تلك الكلمات الاغنية التي حرضتنا على ان نترك بيوت اهلنا باكراً قبل الآوان.. حيث هناك ولدنا وهناك ربينا حيث كانت تلك الاغنيات زادنا..
نحن نتحدث عن مارسيل خليفة. لا اذكر تحديداً كيف كان ارتباطنا بهذا الفن والفنان المميز. لكنني اتذكر بعض تلك البدايات عن تعلقي به.. ان لم اقل سماعي الاول لأغانيه، وربما لأرتباطه بمبادىء امنت بها لذلك كنت اعتقد انه يغني لنا وحدنا..
"يا علي نحن اهل الجنوب.. حفاة المدن نروي سيرتك".
كانت الكلمات الاغاني تفضح اعدائنا.. الذين
" ذات يوم سنوجه سكك محاريثنا الى قلوبهم السمينة الفاجرة"..
نحن حفاة المدن نروي سيرتك من هنا.. من حيث" تبدء الخارطة والكلمات".. لا يمكنك ان تكتب عن مارسيل خليفة والا وتتداخل كلمات اغانيه مع كلمات سيرتك.. تختزن ذاكرتنا بما لا تتسع لها صفحات الدنيا..
"ليحدثنا عن ايمن، عن فرح غابات الفاتنة في عينيه وعن سحر يديه"..
كم من اشخاص حملوا هذا الاسم بعد ان ولدتهم امهاتهم في تلك الفترة التي سمعوا هذه الاغنية..
ما يحرضني على هذه السيرة هو انني شاهدت احدى امسياته وانا هنا في البلاد البعيدة، التي اضطرتني الظروف لأن ابتعد عن الارض والناس الذين التصقت بي حكاياتهم ومعاناتهم من الاحتلال الاسرائيلي حينما كان مارسيل صوت المقاومة عبر الكلمة والاغنية، به تعمق ارتباطنا بأرضنا ونحن نستمع اليه بأستمرار.
لكل جيل احداثه التي تمثل تكوينه الشخصي والذهني .. وانا الذي كان لدي فنانيي ومبدعيي الذين عبروا عن مراحل عايشتها لأقول انني من الجيل الذي بنى لنفسه مكاناً لن يتغير مهما الزمن تبدل.. حياة تعبر عن جزء من ذاتنا بأغاني اهمها..
"عودوا انا كنتم غرباء كما انتم.. عظماء كما انتم .. يا احبابي الموتى عودوا حتى لو كنتم متم"..
هذا الابداع اللامحدود ربما ابداعه ايضاً يعود لمؤلف اجمل اغنيه محمود درويش الذي ارتبط شعره بمارسيل خليفة والعكس بات من المستحيل ان تكتب عن مارسيل او تذكره الا وعليك ان تذكر الشاعر الفلسطيني محمود درويش..
مارسيل خليفة الذي كلما اتانا او سمعناه يمنحنا المزيد من القوة في الاستمرار بما نؤمن به في هذه البلاد.. لا لشيء الا للبقاء على وعود العاصفة من الحزن والبكاء والذكريات.. بعد الهجرات المتتالية التي نحن بها وتلك التي ابعدتنا بعضها انشغالات وبعضها اهتمامات بهموم لا تحصى ولا تعد.. ربما اخرها المواقف السياسية التي اصبحنا نحددها لأنفسنا بعلاقتنا مع الاخرين.. كان له ان يحط رحاله قربنا في الغربة في هجرتنا التي نحن بها ليقدم باقة من اغانيه برفقة ولديه رامي وبشار واخر لا اعرف من يكون.. امسيته التي تنوعت بين الموسيقى والاغاني..( يا حادي العيس، سلملي على امي واحكي لها ما جرى واشكي لها همي.. قومي اطلعي عالبال.. منتصب القامة التي انشدها متشاركاً مع الجمهور.. اعجابه كان بادياً ومتفاجيء ربما لأعتقاد لديه ان هنا من لا يعرف اغانيه.. يا بحرية هيلا هيلا، ليفاجئنا بأغنيته الجديدة
" ونحن ايضاً نحن الحياة اذا ما استطعنا اليها سبيلاً"..
كلمات للشاعر محمود درويش، كانت اهداء الى الشعب العراقي.. ذلك العنوان الذي امعن المسؤولين اللبنانيين على استهلاكه بغير مكانه الطبيعي..
كنت جالساً امام فرقته، استمع اليه وشريط الذكريات يمر مع كل اغنية له، واردد ان مسيرته الفنية لا يمكنك ان تعزلها عن المسيرة السياسية.. كان ليكون انتحاراً لتلك المسيرة لو انه اصبح غير ما كان عليه.. ربما احساساً تكون لدي من لحظة مشاهدته وهو يلف شاله الاحمر حول عنقه.. ربما ليس هذا كل ما يعطيك دلالة على انه لم يتبدل ولم يتغير.. الا ان رؤيتي هذه رسخت اكثر عندما تحادث معه الرفيق علي اسماعيل عندما استشعر منه وعن شاله الاحمر ليحرضه على الكلام ولكي يعطي رأيه بما يشوش افكارنا عنه.. ليجاوب مارسيل على الاستفسار..
" بأنه ما زال على المبادىء التي امن بها.. وما زالت اغانيه تعبر عن ما يحدد هويته السياسية المرتبطة بقضايا الناس الفقراء، وهي ما زالت تحمل هموم الاوطان المقهورة اولها فلسطين ولبنان والعراق.. وهو لم يغادر يوماً المكان الذي نشأ عليه، خاتماً كلامه ب "ولكن"؟ "الظروف صعبة جداً" .. لن نحمل تلك الكلمة اكثر ما تعني، الا اننا نكتفي بما قاله قبل ال " ولكن" ..
لكن مارسيل واحداً من الذين حافظوا على مشروعهم الفني المرتبط بالسياسي الملتزم، فهو بقي حاملاً في عوده وفوق كتفيه همه العربي وقضية فلسطين التي تجري في عروقه، وآلام العراق ولبنان المقاوم دائماً في حضوره وباله..
ايضاً ب " ولكن " في الحفل يحصل بعض الهوامش مثل رجلاً اقترب من الرفيق علي وحادثه بهمس قائلاً له: هل يعرف (حسن نصرالله) ان مارسيل خليفة يغني هنا في كندا وهل يسمح لك بالحضور قبل ان يستشير سوريا وايران..!!
انه لغريب امر هذا الرجل.. كأنه قال الرفيق علي هكذا، قبل ان يرد بكل بساطة على سؤاله:
اولاً عليك ان تحترم مكانة الناس مهما كان اختلافك معهم كبيراً.. ولتكون محترماً وتعطي هذا الانسان حقه فهو اسمه "السيد حسن نصرالله" وهو لم يتبدل لا بالموقف ولا بوجهة السلاح الذي يحمله.. وليس بخاين كما مثلك وامثالك.. ومن ثم عليك ان تقول هو سيد المقاومة شاء من شاء وابى من ابى..
تابع الرفيق علي : ان مارسيل خليفة لم يذهب بتاريخه ورسالته كيفما تهوى انت او كيفما يهوى زعماؤك.. واذا كان السيد حسن يقاوم بالسلاح فمارسيل خليفة مقاوم وبأمتياز في الاغنية والكلمة. وانه تحديداً هو ضد كل قوى الاستكبار العالمي مدافعاً عن الشعوب المقهورة والمظلومة.. وهو ضد كل ما يحصل في فلسطين ولبنان والعراق.. حتماً حتماً من يجاهر بهذا الموقف لن يكون بالمكان الذي انت فيه.. لأختم لك يكفي انه لا انتماء طائفي له ولا هو بتاجر فني او سياسي كما زعماؤك ونحن الشيوعيين كما مارسيل خليفة ما بدلوا تبديلا.
لعلني اسجل بعض انطباعاتي الشخصية عن تلك الامسية.. الا انني لم استشعر كما كنت خائفاً منه في زحمة التبدلات الجذرية التي تعصف وتطحن من لا يستطيع الوقوف في هذه العاصفة.. من هذا الزمن الردىء حيث يتحول بعض الوطنيين او ما سميوا به الى الضد، ضد اوطانهم وشعوبهم حيث المواقف تباع وتشترى.. الا ان هناك من يرفع لواء الدفاع عن الانسان وارضه ومارسيل واحداً منهم.. هناك من يرفع لواء المقاومة بالسلاح وهناك من يجسدها بالقلم.. الا ان الاجمل في التعبير عنها ما زال في اغاني وموسيقى مارسيل خليفة..
كان لقاء مارسيل خليفة بعد ختام الحفل ليوقع البوماته ويتحادث مع محبيه الذين اصطفوا واخذ كلاً منهم يحادثه وهو يجاوب كما وكأنه يغني بكل تعبير من وجهه ويديه.. كانت لي فرصة ان اشكره على ما قدمه من ابداع.. كان وما زال عالقاً بذاتي والى الابد..
مارسيل خليفة رمزاً يمنحنا الامل والقوة لمواصلة المسير والمشي بالقامة المنتصبة وبالهامة المرفوعة.. نحمل بكفنا غصن زيتون وعلى اكتافنا نعوشنا..
نحلم بالياسمين والشمس التي سوف تشرق على ايامنا القادمة..
لا للحرب، لا للتدويل لا لكل الضجيج في بلدي نعم للمقاومة نعم لهذا النوع من الفن المرتبط بقضايا التحرر في كل بلاد العالم..
ما رسيل خليفة .. شكراً لك..
(كل قلوب الناس جنسيتي.. فلتسقطوا عني جواز السفر)...
زكريا اسماعيل
احساس الغريب
كلام عابر
1- احلام الخنادق
احساس الغريب
دوي انفجار هائل.. دخان سوداء، جميع اتجاهات القرية حددت مكانه.
المشهد كان مؤلم جداً.. اشلائهم في كل مكان.. بعضها بعيداً عشرات الامتار، عملت الفرق المختصة على جمعها مع بعض اهالي القرية.. حددت اصحابها من البستهم.. جمعت في النعوش التي حملت بعدها على الاكف عالياً وراحوا يتراقصون بها.. النسوة ينثرون الارز والورود وماء الزهر... النعوش المرتفعة الملفوفة بالاعلام الحمراء من بين جموع المشيعين.. الامهات يزغردن لهم.. امر غريب! كان غريباً جداً بالنسبة لي.. الحدث مأتم وتشيع كيف يزغردون ويرقصون! هل يفرحون بالموت؟ كيف ذلك.. بعدما مضى على استشهادهم اشهر حاولت ان اسأل امي عن هذا الامر..امي المتشحة بالسواد.. التي تبكيه ليل نهار بعدما كانت ايضاً فقدت ابنها الأول بالتبني..
السؤال لم يكن بالصعب الجواب عليه.. درجت العادة عندما يشيعون الشباب من يكن منهم بعمر يسمح له ان يكون عريساً.. وحين يستشهدون بهذا العمر يصنعون من مأتمهم اعراساً..(اعراس الشهداء) عادة استلهمها الشيعة خصوصاً من "عرس القاسم" الذي قتل بثورة الأمام الحسين(ع) .. بعد المأتم الاعراس وري الشهداء الثرى.. ثلة من عسكر الحزب الشيوعي تتجمع في ترتيب مرصوص تؤدي التحية العسكرية لهم اطلقوا واحد وعشرون طلقة وداع.. الصبية يجمعون فراغ الرصاص.. اذرف دموعي بعد الصدمة التي مريت بها.. الامر ما زال غريب بالنسبة لي.. حدث الموت هذا يربكني.. من يومها وانا لدي احساس بأنني سأموت في ذات التاريخ الذي ماتوا هم به.. لا اعرف ما هو هذا الشيء الذي يجعلني اعتقد ذلك.. انظر الى كل شي من حولي، كأنني في وداع دائم.. انظر لأهلي ، لأصدقائي مودعاً متأملاً بنظراتي.. ربما سبب ذلك تلك القذيفة التي جئت بها من تحت الأرض لكي تنفجر بهم، لتذهب بحياتهم الى الغروب الأخير.. كأن الناس تشير الي.. ينظروني في اشمئزاز.. كل ذلك كان عكس ما كنت اعتقد.. جميعهم ينظر لي كناجي من تلك القذيفة او القذائف التي عملت على تفكيكها من بين بيوت الناس (كان عمري خمسة عشرة عاماً) مولعاً كنت بتفكيك تلك القنابل.. كأن المعروف الذي صنعته للناس كان شيء من ضروب الجنون.. كم كان الامر خطيراً ان بقيت تلك الاشياء بين اطفالهم.. الناس تنظر لي امتناناً.. بلحظة ما تحول الامر الى افتخار.. لكنني بت حينها اخاف من فعل ذلك.. كان الجميع قد حذرني من معاودة الامر.. دموع امي تتوسل لي ان لا احاول فعل ذلك.. قالت: انها ستموت ان حصل لي مكروهاً بعد اخي وضيفنا الذي انتسب الينا وعاش معنا حتى اصبح واحداً منا.. هو الاخر كان موته فجيعاً.. كأن المأساة تلاحقنا .. مارسيل خليفة يشدو "في يا حادي العيس.. سلملي على امي.. واحكي لها ما جرى، واشكي لها همي".. كلمات الاغنية تلك تحملني الى احساس غريب.. تلك التي اصبحت عشقنا كلما سمعناها ونحن في المواقع الحدوية كم كنا نشعر بالحنين الى امهاتنا ونحن بعيدين عنهن..
تدوين عابر لكلمات عابرة.. كانت البداية عن "احلام الخنادق" الى "احساس الغريب".. انها بالكاد تعابير خاصة جداً.. لكنها حكايات متكررة على امتداد الوطن.. نحرص على ان نكتب السيرة الذاتية بكل تفاصيلها لكي تكتمل.. لكي تأتي بالمعنى وتذهب به الى حيث نريد.. كل ايامنا التي نتحدث عنها لا يمكن الا ان نجمعها عبر هذه الكلمات.. بالكاد ذكريات، فيها الشقاء الذي يتكرر كل يوم فوق ارض الوطن.. تلك التي يمر فيها الانسان مثل عناوين ايام قد تكون مرت عليك سنوات وانت تعتقد انك في اليوم ذاته..
احياناً تنقلب حياتك راساً على عقب ومن غير ان تتوقع ذلك.. واحياناً رتيبة الى حد الملل..
الان اصبح لدي احساس اخر.. اكتب الكلمات مثلما تريد ان تكون.. فتفلت من ذاكرتي مثل فراشة تعلو وتهبط.. تتأرجح في كل الجهات مثل الفرح والحزن.. تقترب وتبتعد مثل الموت والحياة.. يتملكني ضمور الصمت اكثر من التعبير.. حتى وان كنت تقرأ هذه الكلمات، فلذلك اعادة لمعايشة الحدث الحالة التي تكتب عنها لتجمع شتات ما يمر به الانسان ..من هواجس مرت عليك ومتراكمة كانت عبر سنوات عمرك الذي كان غير ذي فائدة او العكس.. لمجرد ان تكتب تعبير صغير فيتدخل احداً قائلاً لك اكتب واكتب.. لعل التعبير والكلام عن تلك الحكايات اجدى قيمة من تكديسها في الذاكرة المدفونة.. فيتساقط الحبر من يراعك مثل دموع طفل بكى لفقدان لعبته حين مزقتها شظايا قذيفة، سقطت بالقرب من سريره غير ابه بما حصل من حوله، الا تلك اللعبة التي كانت تنام الى جانبه.. ربما كانت كتابتي تشبه حادثة هذا الطقل.. مع كل الضجيج الذي يدور من حولي.. تراني اصب اهتماماتي وابدء في تدوين ذكريات عمرها عشرات السنين..اذاً؟ لأن تكتب فلا بد ان يكون هناك بداية.. لا بأس ان طالت، فالبداية عن حكايات الشقاء دائماً رتيبة.. مازال الوقت مبكراً للوصول الى العنف في الحياة التي مريت بها، هي تتشابه كثيراً مع احداث مر بها ابناء جيلي ما قبله وما بعده.. دائماً البدايات هكذا.. فالى تدوين اخر...
زكريا اسماعيل
خاطرة على بالي
خاطرة على بالي
هناك حيث ولدنا وحيث بقي لنا احبة..
حيث لنا من بقي نحبه..
لم نكن ندري ان الشوق،
سوف يكون اكبر من المسافات الى هذا الحد،
ومختصراً لكل المحيطات والبحار..
لكم انتم الاشعار والاغنيات التي لا تغادرنا..
حيث لا نستطيع اللقاء بكم بعد الان..
امر الرحيل دائماً مفاجئاً..
تبكينا الدموع وتلازمنا الذاكره، وحيث الرحيل امر،
(لا على البال ولا على الخاطر)..
احبتنا ماذا نقول عن اشتياقنا لكم،
حيث الدمعة صديقتنا.. ولا شيء هنا نندم عليه..
الا ان الحب للأماكن التي ترعرنا عليها نفتقدها..
ونحن نلازمكم صداقة حميمة، ومحبة نادرة..
كيف لا نشتاق اليكم وباب الحنان الوحيد منكم ما زال مفتوحاً بيننا..
ذلك الباب الذي لا تقفله لا البحار ولا المحيطات..
لا تختصره المسافات،
التي تفصلنا عنكم..
يا احبتنا ، يا رفاقنا..
المسافات بيننا لن تمنعنا من اللقاء بكم..
كيف لا نشتاق اليكم وانتم جهة القلب الذي يلسعه الحنين..
كيف لا وبعد، جرح الحرب فينا نتقمصه..
لا تداويه كل المسافات الزمنية..
ولا نعمة النسيان تستطيع ان تتسلل الى ناحيتنا..
فانتم ذاكرتنا الجميلة..
حيث الروايات التي ترسخت في ذهننا لتصبحون ذاكرتنا اليومية،
في حياتنا التي نعيشها هنا..
حياتنا هنا التي كثيراً ما نمقتها..
حياتنا حيث تلك التي كنا نحلم بها..
وجدناها هنا خالية من كل الحياة..
تطول الرسالة وتقصر لكن ما نريد قوله لكم،
انكم المثل الذي تربينا عليه..
لأن ما بيننا هو اكبر من علاقة مواطنين..
هو صداقة كانت واكثر..
هي رفاقية بيننا واكبر..
اشقاء، هو شيء معتبر..
ما نحن عليه الان كان صائباً بالنسبة لنا،
خاصة اننا نكتب اليكم من غربتنا الحاضرة والابدية..
نعتذر منكم لعدم استطاعتنا نسيانكم..
نعتذر منكم لثقل الرحلة البعيدة التي بيننا..
اصدقائنا في الوطنية الحقيقية، كونوا على ثقة، الانتصارات دائماً لكم..
حينما نسمع اخباركم، كأنها النافذة الكبيرة التي منها تنشرح حياتنا الى الافق،
وكأننا نحن بينكما ومعكم..
كل الورود التي نحبها نشعر وكأنها لكم..
كم هو الأحساس حزيناً حينما نفتقد احداً منكم..
حينها لا يفارقنا خياله ولا الشوق له..
كأنكم ملاكاً نخاف افتقاده..
حيث الايام لا تتوقف..
كأننا كلما لامس الهواء وجوهنا نشعر انكم به..
نزرع في اولادنا ما بيننا،
لعلنا بهذا نرد بعضاً من شيء جميل ورائع كان فيما بيننا..
نخاف يا احبتي لا نعرف من ماذا..
نخاف على ما صار بيننا من فراق،
كتب على الجبين ان نصبح هكذا..
هذا الابتعاد الذي صرنا به هو واقعاً لا مفر منه..
كل ما نريده هو ان تتذكرونا دائماً، كما نتذكركم
كل ما نريده هو ان تبقى الورود الحمراء فيما بيننا..
حبنا لكم، مقابل ان تعطونا دائماً من حنانكم وعطفكم كي نستمر كما نحن..
كل ما نريده ان لا نصبح عندكم ذكرى..
كل ما نريده ان نكون دائماً عند حسن ظنكم ..
فلم نغرب عنكم لقاء نزوة او ما شابه ذلك..
غربتنا كانت عن قناعة لصعوبة الاستمرار في الحياة التي كنا عليها عندكم..
اعذرونا لصعوبة اللقاء فيما بيننا..
هنا بيتنا الجديد دونكم..
هنا اطفالنا الذين نعيش لأجلهم..
هنا نعمل ونتعلم من جديد ونبني حياتنا بكل حرية وثقة..
اعذرونا لصعوبة اللقاء لأن المسافات صار فيها حدوداً مقفلة..
باتت الورود في تقديمها استحالة..
لكنكم البقاء في الخيال..
انتم الطيف الجميل الذي لا يفارقننا ،
بعدما فقدنا الجزء الاخر الذي كان متمثلاً في امواتنا..
يا اجمل من احببنا ومن وددنا..
يا اجمل من عرفنا وعايشنا حيث صعوبة التخلي عنكم مستحيلة..
لهذا نضع بين ايديكم كلماتنا التي تشبهنا..
لعلها تكون بعضاً منا.. لعلها تكون وروداً نهديكم هي..
رفاقنا.. اصدقائنا.. اشقائنا..
كل من نحن ويحبنا..
لم يكن ما بيننا من عدم..
فهو نتيجة لسنوات عايشناها سوياً..
يا لهذا الشوق الذي نكنه لكم..
يا لروعة الاحساس الذي نكون عليه عندما نكتب عنكم..
هو صوتكم المليء دفء واعتزاز..
انتم شمس صباحنا حيث استمرار لليل والنهار..
قولو نحبكم واكثر.. قولو بقائنا الاخير وعداً لكم..
اليكم التحية مع كل دقة من القلب..
لا تذهبوا بعيداً عنا.. كونوا اقتراب دائم، لكي نشعر دائماً اننا على قيد الحياة...
زكريا اسماعيل
رحال على اطراف القرى الجنوبية
رحال على اطراف القرى الجنوبية..
حكاية رفيق التقيته صدفة..
مشينا حاملين مفتاحه وهو ركام.. ما زال في علاقة مفاتيحي .. لا اعرف من اين ادخل.. من الباب، من الشباك، كله اصبح "كومة" حجار.. اهً كفررمان ما اجملك وانا قادماً اليك اليوم وامس وغداً.. اهً على بيوتك ما اروعها وهي متلاصقة قرب بعضها.. لم يأتي الصباح بعد..ولم تشرق الشمس.. ولم نشيع الشهيد بعد.. ولم تنتهي اصداء العملية البطولية على تلة السويداء.. لم نأكل خبز الصاج، ولم نقطف الزيتون اليانع.. الدبابات ترابض فوق كروم زيتوننا وتكاد تلامس اسطح منازلنا.. اهً كفررمان متى نلتقي.. ومتى نتعانق في حبنا المشهود بيننا...
كان لنا بيت في قريتنا الجنوبية الوديعة.. كانت امي تسيج مدخله بحبق الجوري.. ومعرشة الياسمين التي تعلو باب الدار..حيث مسكبة النعنع التي تفوح منها رائحة لا مثيل لها.. وشجيرات الليمون والحامض التي نتفيء بظلها عند الظهيرة.. بيتنا الذي بنته ايدي الفقراء.. بناه والدي لبنة لبنة حتى صار غطائنا، نلوذ تحت سقفه.. نحتمي به من كل عواصف الحياة،.. كل ذكريات طفولتنا تبقى في الاشياء البسيطة في ذلك البيت الذي ولدنا فيه، ذلك الذي ربينا بين حيطانه نتعمشق على شبابيكه لنشاهد منه خيوط المطر المتساقطة على بلدتنا كون بيتنا يعلو العديد من البيوت من حيث الطبيعة الجغرافية فقط.. نطبع على حيطانه رسوماتنا الحزبية التي تعبر عن اهوائنا السياسية خاصة تلك التي تحكي عن بطولات المقاومة الوطنية اللبنانية وصور شهدائها المعلقة على كل جدران البيت.. كل معاني حياتك تنمو بين حناياه، تحت سقفه الذي جهد ابائنا وقبله اجدادنا في بناءه، ليقيك من شر العذاب اليومي.. كل ذلك تشعر به وانت تعيش في بيتك حتى يأتي اليوم الذي تجد فيه كل احلامك الوردية اصبحت تحت ركام البيت الذي عشت به مراحل طفولتك، وحياتك، ودراستك الابتدائية.. بلحظة عنف تنهمر القذائف من الدبابات الاسرائيلية التي ترابض فوق التلة المواجهة لبيتنا المحاط بالشجر الذي التهب حتى مات واقفاً.. حينها كان لا بد لنا من ترك المكان الذي ارتبطنا به وارتبط بنا، لم نكن نرغب في مغادرة المكان.. لكننا حملنا "صررنا" الممزقة بشظايا القذائف وما تيسر من بقايا نجا من الدمار والتجئنا حاملينها الى قرية بريقع وبعدها الى قرية ميفذون وهي قرى مجاورة لبلدتنا..
لا يطيب العيش مهما كان شكل المنزل الذي تسكنه، ان لم تجد فيه تلك الحميمة التي تعيش معك في بيتك الاول.. تناقلنا مع احزاننا الى ذلك البيت الذي قدرنا ان يكون مثل البيت الذي اصبح ركام.. قبلها كانت تراودنا فكرة بناء خيمة فوق انقاض منزلنا تعبيراً عن تعلقنا في ارضنا.. في بيتنا.. للحي الذي كنا نقيم فيه.. " خذني على الارض اللي ربتني.. خذني على ترابات ضيعتنا"..
"صامدون هنا قرب هذا الدمار العظيم.. وفي يدنا يلمع الرعب في يدنا.. وفي القلب غصن الوفاء النظيف"..
هكذا هو صمودنا قرب دمار بيتنا.. يصاحبه رعب دائم.. فوهات المدافع فوق رؤوسنا.. الموت رخيصاً الى حد لا تجد من يجروء على انتشالك كي لا يسقط قربك.. تناقلنا على اطراف القرى الجنوبية.. هجرتنا كانت من قرية الى قرية.. عدنا بعد اعوام الى البلدة التي فيها ارضنا والبيت الذي صار ركام.. لكننا الأن نسكن على طرفها الاخر.. هي حالة اهل الجنوب .. مألوفةً جداً تلك الهجرات التي ادمن عليها الجنوبيين.. حفاة القرى.." يا علي نحن اهل الجنوب.. حفاة المدن نروي سيرتك.. على اصفى البرك والاودية.. نروي سيرتنا والعالم لا يسمع.. كان لا بد من التفكير في الهجرة الثانية .. الهجرة التي تبعدك عن الوطن الذي تحب.. الهجرة البعيدة حيث اللغة اخرى.. والثقافة ليست منك.. وكل شيء يختلف عن كل شيء..
ها هي اشلائنا بقايانا نشتتها الى هجرات بعيدة.. الى بلاد الله الواسعة.. حيث وحدنا نتألم.. لا احد يسمع انيننا الا من مر في ضروف تشبه حالتنا.. هي كثيرة الهجرات التي قوضت اصحابها الحروب والنزاعات التي تعددت.. لكن الاكثر ضراوة، والاكثر وحشية تلك التي حصلت في تموز من العام 2006 تخطت كل تدمير وكل تهجير، فلم يقتصر الامر هذه المرة على القرى الامامية، بل لتشمل لبنان كله.. لم يبقى لدينا الا ان نرحل..
ها نحن الأن في بلاد لا ننتمي اليها .. نشتت احزاننا واشواقنا بين مشاغل الحياة والدراسة والعمل.. لا نجد وقتاً حتى كي نعود بذاكرتنا الى سنوات العذاب التي مرت فوق اجسادنا كما جنازير الدبابات التي نذكرها كيف كانت تحرث طرقاتنا التي تطبع ذاكرتنا من تكرارها..
هنا في هذه البلاد وجدت تعبيراً اخر عن حالتنا، من خلاله احاول ان افعل شيء.. احاول ان اكون الحدث والمعنى الذي يصبغ ذاتي من خلال المنتدى الذي تكون بفضل جميع الرفاق والاصدقاء.. لعل ما افعله يعبر ولو بالجزء البسيط عن حالة تأثرت بها ايما تأثير.. لعلني اوفي الشهداء الذين سقطوا تحت هذه العبارة، والتي صنعت من دمائهم خارطة لوطن اصبح عصياً على الاحتلالات وبفضلهم تحققت انتصارات شهد العالم الحر لها.. اسمائهم التي كبرت بفضل تضحياتهم.. اسماء سمت عالياً .. بهم ومنهم وبفضلهم " كانت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية".. فكان موقع "جمول".. صار تعبيري الراسخ وبعض رد على تهميش حياتنا وحتى تعبيراً صارخاً بوجه من دمر بيوتنا وهجرنا منها..
انا لا ادون خاطرة بقدر ما اروي سيرة بعضاً من حياة هذا الرفيق التي تشبه الى حد كبير حياة الكثيرين من ابناء بلدتي ووطني .. بلدتي التي تشبه الكثير من القرى الجنوبية.. هي سرد قد يكون استشفافها من لحظة كلام عابرة.. مأسي تجول في خاطري منذ سنوات بعيدة اثخنتها جراح التدمير والتهجير والترحال.. حالة اعيشها يوماً تلو يوم.. كأنها ملازمة للذاكرة.. او كأن الذاكرة وجدت لها.. موجزة بالكاد تكون تعبيراً عن الماضي والحاضر المعاش.. حالة تتكرر كل يوم وتكبر.. في البدء كان لبيوت نذيرة من التدمير.. الأن اصبح تدمير قرى ومدن.. فهل من يسمع ، من يرى، او يشاهد.. انما العالم اصبح ينام ويفيق على اشياء تافهة.. دائماً التوازن يشبه بعضه.. مثلما تعرضت بيوت اجدادنا وابائنا للقصف والتدمير، تتعرض بيوتنا نحن الابناء لذات الفعل ومن ذات المصدر(صنع في اميركا).. نتوارث نحن هذه الاشياء مثلما يتوارث ابنا البكوات عن اجدادهم الزعامة.. لا بل يمعنون توارثاً في الصراع على المناصب والزعامات ودائماً وحتماً الفقراء حطبها..
ذهاب الرحالة الى ارض جديدة يشبه عودتك الى ارض تعرفها وفي مخيلتك صورة لها وكلما شعرت باختلاف الواقع عن الصورة تزداد دهشتك وحيرتك وتبالغ في اخراج الصورة القديمة من ذاكرتك لمقارنتها بمعالم المكان الجديد.. والفرق الوحيد بينك وبين الرحالة ان صورته عن المكان ليست في السيرة المدونة لا بل دائماً الاصح هو في مخيلتك.
" قاومت لتحرر دمك.. من عنابر الزيت.. وفمك من مخازن السكر.. وعظامك من مقاعد البكوات وامراءالدواوين لكن يا على اين تجد ارضاً وبيتاً افضل من بيتك وارضك"...
زكريا اسماعيل
على قيد الحياة
على قيد الحياة..
ثلاثة و أربعون عاماً، عداً ونقداً.. لا اعرف كيف قطعت كل تلك السنوات حتى وصلت الى هذا الوقت من العمر كي اتقبل به تهاني ميلادي الثالث والاربعين..الذي اعرفه انني واجهت الموت عدة مرات.. حتى أنني استطيع التأكيد على انني ومنذ العام 1992 أعيش حياة أخرى, حياة إضافية, هناك من في السماء من أراد منحي فرصة جديدة وسنوات أخرى.. أنا حيٌ يرزق بقدرة قادر.. حيٌ من جديد ربما في الوقت الذي اضاعته الحروب التي شهدتها مطارحي, ولانها كادت تقتلني ارادت الإعتذار مني بمنحي سنوات أخرى..43 عاماً كأنها الدهر، ما اطولها كل تلك السنوات.. كل تلك الشهور.. كل هذه الاسابيع.. هذه الايام.. هذه الساعات.. هذه الدقائق.. و كل هذه الثواني.. كيف لي القدرة على ان أعيش كل هذا العمر وأنا أصارع بقائي لأدرك الموت بعد مقدار ٍ من السنين، أقول ما زال العمر في بداياته.. أحزن على موت عزيز ٍ، أشاهد كيف ستكون خاتمتي بعد كل تلك السنوات.. اليست ايام الحياة متكررة مع بعض التغيرات الطفيفة. أعيش اللحظات بدقاتها كما دقات قلبي الذي لا يتوقف طالما اني على قيد الحياة..
ان سنوات عمرنا تدون بلحظة .. كما الموت إن أتي.. أرسم على وجهي ابتسامة وأغادر.. اقرأ سيرة الراحلين قبلي على لوحة رخامية بيضاء يدون عليها تاريخ ميلادهم الى تاريخ وفاتهم.. ان الحياة كلها تشبه بعضها.. "كل عام ٍ وانت بخير"، كل عام وانت تعيش ضجيج هذه الحياة اليومية على تلك الأرض التي بعدها لا أدري الى اين أذهب.. او ربما البعض يدري الى حد الحفرة التي توضع فيها جثته. اما انا فاني نائم ولكني لا أدرى شيء من حولي..كغيري أرغب لو اني أعيش مدى الدهر...
"كل عام وانت بخير".. هذا ما يوسمني به الأهل والاصدقاء والرفاق.. فبعد كل سنة أمضيها وانا أستقبل عاماً اخراً ليزيد من عمري.. لا أدري ماذا أفعل.. أرفع احجار سنيني يوماً بعد يوم، تتشابك فيما بينها, وبين يومياتنا.. لعلي لا أذكر من حياتي الا الولادة.. لم يبقَ منها شيئ سوى ذكريات مرت على بالنا ، اصدقاء الطفولة، رفاق المدرسة.. كل المدارس التعليمية والحزبية لأجد نفسي بلحظة ما وسط الساعات الحزينة.. أسأل دمعي عن الأمر فأجد الحزن هذا مرسوماً على شكل عيون ادمنت الذكريات ما يترك لدي حنين عن هذا الماضي الذي كنته..
الذكريات اجمل ما في حياتي، أتحدث عنها بحنان قلب ورأفة عين.. أذكر اهلي الذين مضوا .. واشقائي، اصدقائي، غادروا تاركين فيي اسى الفراق.. ما احب يوماً عليي سوى هذه اللحظات لأعاود كل يوم سرد تفاصيل سنوات مرت بي، اكثرها ذكرى حينما أكون وحيداً.. عندما أختلي بنفسي, ألاحظ الضجيج المعمم بالهدوء.. الضجيج الآتي من هدوء الذكرى.. ليصبح الأمس مترابطاً مع الحاضر متسللاً الى الباقي من حياتي ان بقيت، لتصبح اللحظة الاتية ذكرى الا اذا مرت بي عاصفة فتصبح اثراً بعد حين..
لا يمكن اختصار فلسفة الحياة في نمط فردي او في قالب معين.. جل ما يستطيع الفرد ان يفعله هو سرد تجربة الحياة التي تأتي اليها بعد مخاضات لولادة خاطفة.. حقاً ان الحياة تجربة واختبار يمر بها الأنسان وكل مخلوق اخر.. فهي لن تتكرر الا من يعتمد على تقمص روحه لتسكن في الاخر.. والا ما معنى ان نأتي على ذكريات ونحن لن نعيشها مجددا..
من دنيا البقاء الى دنيا الفناء هذا ما أسلم به حتى اللحظة والى ان يثبت علينا الموت.. ستبقى اوراقي شيوعية، ادونها في يومياتي ازيد عليها ما بقي من عمري حبر حياة.. كي يبقى من حياتي بعض اوراق.. لعلني لا اكتب ورقة نعوة.. سيرة ذاتية.. بقدر ما ادون احساس من لحظات التأمل والوحدة..
لأختم اخيراً بكلمات من اغنية لفيروز التي هي اساس الأساس من تحريك لذكرياتك بالشكل المميز..
"احكيلي احكيلي عن بلدي حكيلي.. عن اهلي حكاية.. عن بيتي حكاية.. عن دار الطفولة حكاية طويلة.. ساعات الفرح الحزينة.. ظلي اذكريني"..
زكريا اسماعيل
على قيد الحياة..
ثلاثة و أربعون عاماً، عداً ونقداً.. لا اعرف كيف قطعت كل تلك السنوات حتى وصلت الى هذا الوقت من العمر كي اتقبل به تهاني ميلادي الثالث والاربعين..الذي اعرفه انني واجهت الموت عدة مرات.. حتى أنني استطيع التأكيد على انني ومنذ العام 1992 أعيش حياة أخرى, حياة إضافية, هناك من في السماء من أراد منحي فرصة جديدة وسنوات أخرى.. أنا حيٌ يرزق بقدرة قادر.. حيٌ من جديد ربما في الوقت الذي اضاعته الحروب التي شهدتها مطارحي, ولانها كادت تقتلني ارادت الإعتذار مني بمنحي سنوات أخرى..43 عاماً كأنها الدهر، ما اطولها كل تلك السنوات.. كل تلك الشهور.. كل هذه الاسابيع.. هذه الايام.. هذه الساعات.. هذه الدقائق.. و كل هذه الثواني.. كيف لي القدرة على ان أعيش كل هذا العمر وأنا أصارع بقائي لأدرك الموت بعد مقدار ٍ من السنين، أقول ما زال العمر في بداياته.. أحزن على موت عزيز ٍ، أشاهد كيف ستكون خاتمتي بعد كل تلك السنوات.. اليست ايام الحياة متكررة مع بعض التغيرات الطفيفة. أعيش اللحظات بدقاتها كما دقات قلبي الذي لا يتوقف طالما اني على قيد الحياة..
ان سنوات عمرنا تدون بلحظة .. كما الموت إن أتي.. أرسم على وجهي ابتسامة وأغادر.. اقرأ سيرة الراحلين قبلي على لوحة رخامية بيضاء يدون عليها تاريخ ميلادهم الى تاريخ وفاتهم.. ان الحياة كلها تشبه بعضها.. "كل عام ٍ وانت بخير"، كل عام وانت تعيش ضجيج هذه الحياة اليومية على تلك الأرض التي بعدها لا أدري الى اين أذهب.. او ربما البعض يدري الى حد الحفرة التي توضع فيها جثته. اما انا فاني نائم ولكني لا أدرى شيء من حولي..كغيري أرغب لو اني أعيش مدى الدهر...
"كل عام وانت بخير".. هذا ما يوسمني به الأهل والاصدقاء والرفاق.. فبعد كل سنة أمضيها وانا أستقبل عاماً اخراً ليزيد من عمري.. لا أدري ماذا أفعل.. أرفع احجار سنيني يوماً بعد يوم، تتشابك فيما بينها, وبين يومياتنا.. لعلي لا أذكر من حياتي الا الولادة.. لم يبقَ منها شيئ سوى ذكريات مرت على بالنا ، اصدقاء الطفولة، رفاق المدرسة.. كل المدارس التعليمية والحزبية لأجد نفسي بلحظة ما وسط الساعات الحزينة.. أسأل دمعي عن الأمر فأجد الحزن هذا مرسوماً على شكل عيون ادمنت الذكريات ما يترك لدي حنين عن هذا الماضي الذي كنته..
الذكريات اجمل ما في حياتي، أتحدث عنها بحنان قلب ورأفة عين.. أذكر اهلي الذين مضوا .. واشقائي، اصدقائي، غادروا تاركين فيي اسى الفراق.. ما احب يوماً عليي سوى هذه اللحظات لأعاود كل يوم سرد تفاصيل سنوات مرت بي، اكثرها ذكرى حينما أكون وحيداً.. عندما أختلي بنفسي, ألاحظ الضجيج المعمم بالهدوء.. الضجيج الآتي من هدوء الذكرى.. ليصبح الأمس مترابطاً مع الحاضر متسللاً الى الباقي من حياتي ان بقيت، لتصبح اللحظة الاتية ذكرى الا اذا مرت بي عاصفة فتصبح اثراً بعد حين..
لا يمكن اختصار فلسفة الحياة في نمط فردي او في قالب معين.. جل ما يستطيع الفرد ان يفعله هو سرد تجربة الحياة التي تأتي اليها بعد مخاضات لولادة خاطفة.. حقاً ان الحياة تجربة واختبار يمر بها الأنسان وكل مخلوق اخر.. فهي لن تتكرر الا من يعتمد على تقمص روحه لتسكن في الاخر.. والا ما معنى ان نأتي على ذكريات ونحن لن نعيشها مجددا..
من دنيا البقاء الى دنيا الفناء هذا ما أسلم به حتى اللحظة والى ان يثبت علينا الموت.. ستبقى اوراقي شيوعية، ادونها في يومياتي ازيد عليها ما بقي من عمري حبر حياة.. كي يبقى من حياتي بعض اوراق.. لعلني لا اكتب ورقة نعوة.. سيرة ذاتية.. بقدر ما ادون احساس من لحظات التأمل والوحدة..
لأختم اخيراً بكلمات من اغنية لفيروز التي هي اساس الأساس من تحريك لذكرياتك بالشكل المميز..
"احكيلي احكيلي عن بلدي حكيلي.. عن اهلي حكاية.. عن بيتي حكاية.. عن دار الطفولة حكاية طويلة.. ساعات الفرح الحزينة.. ظلي اذكريني"..
زكريا اسماعيل
ابجدية النضال والاستشهاد
ابجدية النضال والاستشهاد
الفرح والسعادة لحظات نحصل عليها اقتناصاً فنمنح انفسنا شعوراً قوياً ولو الى حين، أما الحزن والتعب والآسى واليأس لهم الاوقات الاطول. وهي كذلك لدى الناس اللذين يفقدون عزيزاً عليهم، ربما اكثر من اناس اخرين.. لذا نتعلق بالامل ونفرد له مساحة واسعة، وبقدر ما يحزننا غياب الاشخاص الذين نحبهم نبحث في ما تركوه عن الامال التي سعوا اليها وحفروا فيها مسارات للحلم والضوء. هذه المقالة المتواضعة مكرسة لواحد من الغائبين الذين جهدوا لفتح مسارات النضال الحقيقي الذي ما زلنا نذكره على انه من اهم المراحل النضالية الصادقة.. قاتلوا حينها واستشهدوا من اجل بناء وطن افضل.. فكان سعيهم مميزاً حتى في استشهادهم:
"لا يهمني اين ومتى وكيف اموت.. بل كل ما يهمني هو ان تبقى الثورة مشتعلة كي لا يرزح العالم بثقله فوق اجساد الفقراء والمستضعفين".. قول غيفارا الخالد هذا قرأته على ضريح الشهيد نزيه يونس.. كنت كلما مريت في جبانة البلدة التفت الى قبره لأعاود قراءة تلك "الانشودة" حيث لم اكن ادر ِ ما المقصود من هذا التعبير على الضريح.. لكنه ملفت للنظر ان تقرأ هذه الكلمات, الغير القرآنية التي تـٌزَيـِّنُ عادة اضرحة الاموات والشهداء.. لم نكن نعلم مدى تعمق البعض من الشهداء في هذه الافكار حتى تكتب على اضرحتهم. كان ذلك في العام 1976 وفي خِضم الحرب الأهلية. كان اليسار مشاركاً بشكل فعال في تلك الصدامات، لم ندر ِ أسبابها او اهدافها لصغر عمرنا.. على الرغم من أن نتائجها مازالت ماثلة في الذاكرة وبقوة كصفوفنا المدرسية التي تحولت يومذاك الى مساكن يقيم فيها المهجرون من بيروت ومن اماكن اندلاع المعارك، فاصبحت المدرسة مليئة بهم واصبحنا نذهب اليهم لعلنا نستحصل على جزء من المعونات الغذائية التي كانت توزع عليهم.. احداث لا نعرف كيف نعبر عنها.. الموت كان نادراً.. بدأت الحرب تخطف من الكثيرين حياتهم خاصة من كان بعمر الورد وريعان الصبا، تماماً كما كان نزيه.. شبان حملوا السلاح حباً بتغيير الحياة التي كان يعيشها ابناء القرى.. وهو القادم من الآرياف المهملة من قبل الدويلات المتعاقبة التي كانت وما زالت.. امتشق سلاحه باكراً، اعتمر قبعة غيفارا, وقال:"فلتكن اجسادنا جسراً يعبر عليه الحالمون بتغيير الاوطان نحو الافضل".. كان له ما تمنى. سقط شهيداً.. "استشهد ليحيا الوطن".. "استشهد دفاعاً عن لبنان وعروبته".. "سقط شهيداً في مواجهات العصابات الانعزالية المتعاملة مع العدو الاسرائيلي".. جميعها عبارات رددت عنه في احاديث الناس وعند تشييعه.. ونحن نذكره هادئاً او هكذا كان يبدو لنا.. لا نعرف كيف يحدث الامر، لكن سرعان ما يأخذك الحدث لتعيش فيه وتلتقط العبرة رغم انك لا تدري ما الذي يجري من حولك.. البلدة في حركة غير طبيعية, الناس يتوافدون الى منزل اهله.. المقاتلون الذين يعنيهم الامر ارتدوا البزات العسكرية يحملون اسلحتهم "سمينوف" و "كلاشينكوف". ما زالت صورة شقيقتي ماثلة في مخيلتي تحمل سلاحها وتنتظم في صفوف الرفاق اللذين يستعدون لأستقبال الشهيد.. الصراخ يعلوا من داخل البيت.. وتجمعات الناس المذهولة بالحدث تتهامس عن الفخر والاعتزاز به.. تتوالى اخبار وصوله.. ها هو يصل في سيارة الاسعاف.. الأرز والورود.. تغطي الشارع وجثمان الشهيد..كما الدموع تغطي وجنات النساء، شيء مفاجيء. كان.. شهيدا من الشهداء الأوائل حرب اهلية لم تكن "اهلية".. كانت حربا بين مشروعين، بين "اهليتين مختلفتين".. واحدة يمثل "مشروعها" نزيه وهي الدفاع عن لبنان وعروبته واخرى تمثل من تمثل من مشروع انعزالي كان يريد سلخ لبنان عن كيانه لكي يرميه في احضان اسرائيل وحلفائها.. لهذا سقط الشهداء ونزيه واحداً منهم.. حمل سلاحه باكراً ليصبح منذ ذلك الحين لوعة الغياب.. بعدما كان الأب لأشقائه .. كان الكبير(المقيم) لأمه بعد ان غادر والده الحياة في موت مفاجيء، عندما توقف قلبه عن الخفقان .. الصورة تلك لا تغيب عن البال.. بأجسادهم كانوا يرسمون شكلاً للوطن.. من يومها ما عدنا التقينا به.. لا بعد قليل التقينا، ولا بعد عام ولا بعد جيل.. امعن في الغياب تاركاً صورةً له بالابيض والاسود.. جل ما يعبر فيها انه من صناع وطن، من مسيرة شهداء تسقط كل يوم من اجل القضية الأسمى.. انه حتماً لو لم



